30 آذار, 2010 
أولوية تطبيق معايير جودة الرغيف والرقابة على مدخلاته وبيئة إنتاجه (1-2)

      ياسين أحمد التميمي*

 

يعتبر الرغيف (الخبز) بنوعيه المسطح  والمقولب (الروتي)، المادة الغذائية الرئيسة في مائدة المستهلك اليمني في الريف والحضر، وهو لذلك أضحى مقياساً هاماً في تقييم مستوى الأمن الغذائي والاستقرار المعيشي، الذي يتمتع به المستهلكون في هذا البلد.

 بل وأصبح معياراً تقاس به عافية الاقتصاد، فضلاً عن كونه عاملاً مؤثراً في الأمن الاجتماعي والسياسي للبلاد، ارتبطت به أو بمدخلاته( القمح والدقيق) تحركات شعبية عارمة، واستخدم بفعالية في الصراع السياسي وفي حسم المعارك الانتخابية.

إلى هذا الحد وأكثر بلغ الرغيف(الخبز) من الأهمية في حياتنا، وبناء على هذا التقدير، ينبغي أن تنبني إجراءات الحكومة المتصلة بتحسين وتجويد الرغيف( الخبز)، مدخلاتٍ وبيئة إنتاج،  بما يجعل منه مخرجاً يتمتع بالأمان الصحي وبالكفاءة الغذائية، وبالكلفة السعرية التي لا تثقل موازنة المستهلك، بقدر ما تحقق له العدالة المفترضة بين ما ينفقه وما يحصل عليه.

 

*التحديات المؤثرة على جودة دقيق القمح وأثرها على جودة الرغيف*

 

يشكل دقيق القمح المدخل الرئيس لصناعة الخبز في اليمن، ويؤثر بشكل مباشر على جودة الرغيف( الخبز)، وتعتمد البلاد بشكل أساسي في الحصول على هذه المادة من الخارج، من خلال استيراد القمح الذي، تضاعفت الكميات المستوردة منه في السنوات الأخيرة، لتصل إلى أكثر نحو مليونين وستمائة ألف طن، بالإضافة إلى الدقيق الذي يتم استيراده من بلد المنشأ بكمية تزيد عن 500 ألف طن.

يأتي ذلك فيما لا تزال الكمية المنتجة محلياً من القمح ضئيلة، وتقدر بنحو مائة وخمسين ألف طن، علماً بأنه لا توجد إحصائيات دقيقة للإنتاج المحلي من القمح، وهذا الرقم التقريبي يشير  إلى الفجوة الهائلة التي تضاعفت خلال العقدين الماضيين بين احتياجات المستهلك من القمح والكميات المنتجة منه.

إن هذه المؤشرات، تعبر بوضوح عن جوهر التحدي الذي يواجهه المستهلكون في اليمن، على مستوى الأمن الغذائي، فيما يعتمدون بصورة أساسية على رغيف القمح، وهو جزء من تحديات أخرى مرتبطة بالقمح وبدقيق القمح.

والمستهلكون،  وخصوصاً ربات البيوت، وأصحاب الأفران،  يواجهون باستمرار مشاكل على علاقة بنوعيات رديئة من القمح أو دقيق القمح التي تدخل إلى البلاد.

 ومن أهم ما يشكو منه المستهلكون،  عدم تماسك العجينة وعدم صلاحية الدقيق للعجن، وهو ما ينتج عادة عن  دقيق قمح تعرض للفساد أو الإصابة بالرطوبة والحشرات، التي تؤدي إلى تغير في صفات البروتين(الجلوتين والجلوتامين)، وهذا يؤدي في المحصلة إلى أن القيمة الغذائية لهذا النوع من الرغيف تكون متدنية.

إن الأسباب المباشرة لوجود هذه النوعيات الرديئة من القمح ودقيق القمح تتمثل في:

- مساحة الحرية المتاحة أمام المستورد، التي تتيح له استيراد ما يشاء والأنواع التي يشاء، في استغلال واضح لحاجة السوق لهذه المادة الحيوية، والتي تترافق عادة مع رغبة ملحة مماثلة من قبل الحكومة في تغطية حاجة السوق المحلية، وتحاشي أي فراغ قد يحدث، ويتسبب في إشكاليات اجتماعية وسياسية واجتماعية.

- اقتصار استيراد القمح ودقيق القمح على قلة من كبار المستوردين، فيما يشبه الاحتكار.

- صعوبة الجزم بأن الكميات المستوردة تتقيد تماماً بالمواصفة القياسية المعتمدة رقم 72/ 2006، خصوصاً وأنه لا يجري العمل بآلية شهادة المطابقة في بلد المنشأ، الذي يتيح التأكد من مدى مطابقة السلعة للمواصفات القياسية اليمنية في بلد المنشأ قبل شحنها إلى البلاد.

تلك صورة من صور التحدي المرتبطة بالقمح ودقيق القمح، أما الصورة الأخرى فتتمثل في تدني مستوى المأمونية التي ينبغي أن تحظى بها مادتا القمح ودقيق القمح على مستوى النقل في أعالي البحار والشحن والتفريغ والتخزين والعرض.

وهنا تبرز شكوك أخرى حيال مدى التزام المستوردين بالمواصفات القياسية اليمنية ذات الصلة بهاتين المادتين، خصوصاً وإن إشكاليات كثيرة لا يستطيع أحد إنكارها تتعلق بصورة أساسية بالنقل والتخزين.

وقد أثارت الجمعية اليمنية لحماية المستهلك قضايا عديدة على صلة بإشكالية تخزين القمح ودقيق القمح، في ظل غياب الرقابة التي يفترضها القرار الجمهوري بالقانون رقم (38) لسنة 1992م، بشأن الرقابة على الأغذية وتنظيم تداولها، والقانون رقم (13 ) لسنة 2002م بتعديل بعض أحكامه، ولائحة مخالفات النظافة العامة وصحة البيئة، الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم (24) لسنة 1994م،  كما سنأتي على ذلك لاحقاً.

 وهذا الأمر ينطبق على معظم المخازن الكبيرة منها والمتوسطة والصغيرة، مع الاعتراف بأن بعضاً من كبار المستوردين يراعون القواعد الفنية الآمنة للتخزين.

وقد ثبت أن بعض المستوردين يقومون بطحن قمح فاسد، ويقومون بتوزيع دقيق قمح تعرض للفساد نتيجة سوء التخزين على أصحاب الأفران، ورفضوا ويرفضون،  بحسب علم الجمعية الأكيد،  عمليات تفتيش قامت بها الجهات الرقابية، على مخازنهم، ويمضون في توزيع ما لديهم من كميات فاسدة للأسف الشديد.

والسيئ في الأمر أن عدداًَ من المخازن الكبيرة لا يُعلم لها موقعاً من قبل الجهات الرقابية، وهناك العديد من القضايا التي كانت الجمعية على صلة بها وأثارتها عبر الإعلام المحلي، تتعلق بكميات من الدقيق الفاسد مخزنة في مناطق مختلفة من أمانة العاصمة وبعض هذه القضايا عرضت على القضاء.

أما الصورة الأخرى من صور التحدي المرتبطة بالقمح ودقيق القمح باعتبارهما المدخلان الأساسيان في صناعة الرغيف،  فتتمثل في سيادة نوع من الرغيف، يعاني من خللٍ واضح في نسب الاستخلاص، يعرف بالرغيف الأبيض، الذي يفترض أن تقتصر استخداماته في مجتمع يعاني من فقر غذائي على صناعة الكيك والبسكويت، وأصناف الحلويات.

وهذه المشكلة يواجهها بصورة رئيسية المستهلكون في المدن، الذين يعتمدون في الحصول على الرغيف من الأفران، والنتيجة هي أن هؤلاء المستهلكين يحصلون في الغالب على الرغيف بأنواعه المسطح والمقولب، مفتقراً للعناصر الغذائية التي لا تتوفر إلاً في دقيق تقل فيه نسبة الاستخلاص بما يحقق الفائدة الغذائية والمذاق الملائم.

أخذاً في الاعتبار أنه إذا كانت شركات المطاحن المحلية الكبيرة تتقيد بإضافة المواد المدعمة مثل الحديد، وحمض الفوليك، فإن الأمر لا ينطبق على بقية المطاحن، وهذا يحرم ملايين من المستهلكين الذين يعتمدون على دقيق قمح منزوع القشرة، من الحصول على المادتين الغذائيتين المكملتين والهامتين.

ويضاف إلى ذلك أن أصحاب الأفران للأسف الشديد، يبالغون في إضافة المدخلات الأخرى من خميرة ومحسنات، فتكون المخرجات سيئة من حيث القيمة الغذائية، ومن حيث المظهر والمذاق أيضاً، حتى أن الرغيف المقولب المعروف بـ" الروتي" يصبح في المحصلة أشبه بقطعة أسفنج، وهو ما يعزز الواقع السيئ للمستهلك في اليمن، باعتبار أن ما يقدم له من أنواع الرغيف،  هو الأسوأ من حيث المحتوى الغذائي، والمواصفات المرعية في العالم.

وكل هذه التحديات المرتبطة بمادتي القمح ودقيق القمح المستوردتين، تؤثر سلباً على جودة ونوعية الرغيف(الخبز)، وتسهم كذلك في إطالة معاناة المستهلكين جراء استهلاكهم مادة الغذاء الأساسية بعناصر تفتقد للكفاءة الغذائية، وتنطوي على تأثيرات سلبية على صحة وسلامة المستهلك.

وبناء على كل ما سبق يمكن أن نجمل التحديات المرتبطة بمادتي القمح ودقيق القمح، في الآتي:

1- العجز الهائل في الإنتاج المحلي من القمح، يقابله اعتماد كامل على ما تحتاجه البلاد من هذه المادة على الاستيراد من السوق الدولية.

2- لم تبذل الحكومة ما يكفي من الجهد لتحفيز الإنتاج المحلي من القمح، من خلال توظيف الأموال الكافية لاستصلاح الأراضي، وتشجيع المزارعين على زراعة القمح، وتقديم الدعم المادي والفني اللازم لهم لحفزهم على توسيع الرقعة المخصصة لهذا النوع من المحاصيل.

3- دخول كميات غير مطابقة للمواصفات القياسية اليمنية، من القمح ودقيق القمح المستوردة، إلى السوق اليمنية.

4- سيادة نوع من الخبز المصنوع من دقيق منزوع القشرة، يعاني من خلل في نسب الاستخلاص، ويفتقر في معظم الأحيان إلى المكملات الغذائية مثل الحديد وحمض الفوليك.

5- تدني مستوى المأمونية المرتبطة بعمليات نقل وتخزين وعرض وتداول مادتي القمح ودقيق القمح، بسبب  ضعف الدور الجهات الرقابية.

6- وجود تجاوزات تتعلق بتسويق كميات من القمح ودقيق القمح التي أصيبت بالفساد نتيجة سوء التخزين.

.. يتبع

...........................................................................................

    المقالة نشرت في الملحق الاقتصادي لصحيفة الثورة اليومية الرسمية، الصفحة الرابعة بتاريخ الثلاثاء 30 مارس 2010.

الجمهورية اليمنية

Developed and hosted by