16 نيسان, 2010 
أولوية تطبيق معايير جودة الرغيف والرقابة على مدخلاته وبيئة إنتاجه (2-2)

 

                                                    ياسين أحمد التميمي*

 

واقع بيئة إنتاج الرغيف والرقابة عليها

إن إطلالة أولى على الواقع الذي تعيشه بيئة إنتاج الرغيف والكيك والحلويات، تعطي انطباعاً بأن هناك انفلات شبه تام من التقيد بالاشتراطات الصحية.

وقد سبق للجمعية أعدت دراسة ميدانية شملت عينات عشوائية لأفران عادية وآلية ومعامل الكيك والحلويات، أثبتت أن نسبة تقيد تلك الأفران والمعامل بلائحة الاشتراطات الصحية لا تتعدى الـ20% في الأفران العادية و45% في الأفران الآلية، و30 % في معامل الكيك والحلويات.

والمخالفات تتعلق بالبيئة الصحية من مرافق وأدوات وعناصر بشرية عاملة، وبمستوى التقيد بالنسب المسموح بها من مدخلات إنتاج الرغيف بأنواعه، وكذلك الكيك والحلويات.

 وتتعلق كذلك بمستوى خزن دقيق القمح، وجودته، في ظل معلومات مؤكدة عن تورط بعض أصحاب الأفران في استخدام دقيق فاسد بعلم وبدون علم أحياناً رغبة في الحصول على الربح.

وتتعلق تلك المخالفات أيضاً، بأساليب العرض والتوزيع، حيث تعتمد وسائل تقليدية عبر عربيات مكشوفة تنتقل عبر الشوارع تحت أشعة الشمس وتتعرض لكل أنواع الملوثات، قبل أن تنتهي إلى أساليب عرض لا تقل سوءاً في محلات بيع المواد الغذائية بالتجزئة.

وكل تلك المعطيات السلبية، تفرض على الجهات المعنية بالرقابة وحماية المستهلك، القيام بدورها والبدء بإعادة النظر في الوضع الراهن لمنشآت إنتاج وتوزيع وعرض مادة الرغيف بكل أنواعه، وإخضاعها للاشتراطات الصحية التي تفترضها طبيعة وحساسية المهمة التي تنهض بها لفائدة المستهلك، ولما لدورها من انعكاسات على صحته وسلامته، ولارتباطها بأهم مادة غذائية تهيمن على مائدة المستهلك ووجباته الثلاث، إن لم نقل وجبتين في ظل التدهور الحاد في اقتصاديات معظم المستهلكين في هذا البلد.

وبموازاة ذلك تبدو الحاجة ملحة إلى أن تقوم الحكومة بتوظيف أموال من الخزينة العامة في إنشاء شركات مساهمة لإنتاج الرغيف بأنواعه من خلال أفران آلية متطورة تتمتع ببيئة إنتاج  صحية،  في مراكز المدن الرئيسية والثانوية، وتطوير تجربة المؤسسة الاقتصادية اليمنية في مجال إنتاج الرغيف بأنواعه، وتحفيز القطاع الخاص للاستثمار في هذا المجال، بما يكفل الارتقاء بصناعة الرغيف وحصول المستهلك، على رغيف(خبز) بمواصفات جيدة، وبمكونات وعناصر غذائية متوازنة، وصحية.

كما أن المؤشرات السابقة تؤكد الحاجة الملحة إلى إعادة النظر في الوضع الذي آل إليه حال صحة البيئة التي تدهورت من الناحية الهيكلية، واختزلت إلى إدارة عامة في ديوان عام وزارة الأشغال العامة والطرق، بعد أن فشلت جهود إلحاق القطاع بوزارة الصحة العامة والسكان، في حين توزعت صلاحيات الإشراف على مكاتب صحة البيئة في المحافظات على المجالس المحلية، ولكنها تعاني من شحة إمكانيات، وكوادر مؤهلة ومرجعيات يعتد بها تقوم بالإشراف على الدور الحيوي لهذا القطاع، الذي يكاد يتلاشى.

وبإزاء ذلك تبدو الحاجة أشد إلحاحاً إلى أن تأتي معالجة وضع قطاع صحة البيئة الذي يشرف على قانون الرقابة على الأغذية ولائحة مخالفات النظافة العامة وصحة البيئة ، معالجةً جذريةً وشاملةً من الناحيتين الهيكلية والقانونية.

وذلك لن يتم إلاَّ من خلال الأخذ بمقترح الجمعية اليمنية لحماية المستهلك الذي لطالما طرحته في عديد مناسبات، ويتمثل في إنشاء هيئة عليا مستقلة للرقابة على الغذاء والدواء، تتبع مجلس الوزراء، وتتمتع بإمكانيات عالية ومتطورة من الناحيتين التقنية والبشرية.

وهذا يتطلب صياغة قانون يتمتع بالكفاءة والشمولية ويمكن للهيئة المقترحة القيام بدورها في الرقابة على الغذاء ومنشآت إنتاج وتخزين وعرض الأغذية في البلاد.

وإلى أن يتحقق هذا المطلب الملح، فإننا نرى إمكانية في تحفيز دور صحة البيئة من خلال رفدها بالإمكانيات المادية والكوادر البشرية المؤهلة، في إطار تبعيتها الهيكلية للمجالس المحلية في المحافظات.

كما أنه يتعين الاستفادة من المضامين الهامة لقانون حماية المستهلك رقم46 لسنة 2008، والذي يخول لفرق التفتيش التابعة لوزارة الصناعة والتجارة الدخول إلى المنشآت الإنتاجية أثناء عمل هذه المنشآت، والتحقق من بيئة الإنتاج وأسلوب العمل ورصد المخالفات إن وجدت، وهذا ينطبق على أفران ومعامل إنتاج الرغيف والكيك والحلويات.

لكن ذلك يرتبط أيضاً، وبشكل مباشر بمدى الأهلية المهنية لفرق التفتيش التي ستوكل إليها مهمة إنفاذ القانون، والأمر الملح المرتبط بهذا الأمر يتعلق بضرورة التسريع في تشكيل الهيئة العليا لحماية المستهلك، والتي ستقوم بدور تنسيقي مهم لدور الجهات المعنية بحماية المستهلك والرقابة على الأسواق ومنشآت الإنتاج.

وخلاصة ما نستنتجه في هذا الجزء من الورقة والمتعلق ببيئة إنتاج الرغيف والرقابة عليها، يتمثل في الآتي:

1- التدني الواضح في المستوى الصحي والمهني في بيئة إنتاج الرغيف بأنواعه على مستوى المدن الرئيسية والثانوية، بسبب عدم تقيدها بالاشتراطات الصحية المعتمدة، وبسبب ضعف الدور الرقابي للجهات المعنية.

2- التدهور الحاد الهيكلي والمهني لدور قطاع صحة البيئة، وضياعه بين إشراف جهات متعددة مع افتقاره للإمكانيات والكوادر المؤهلة.

 

متطلبات تحقيق المعادلة بين الكفاءة الغذائية والكلفة السعرية للرغيف

يوصف الخبز الجيد المدعوم من قبل المختصين في مصر بأنه "الرغيف المستوى مكتمل الاختمار بدون نقص أو زيادة، المكتمل الاستدارة والنضج، المحتفظ بمظهره الطبيعى، وغير ملتصق الشطرين السليم من الاحتراق، الطبيعى المذاق والرائحة.

في اليمن يمكن القول: إن النموذج  الجيد للرغيف في اليمن هو ذلك الذي يعبر عنه الخبز المصنوع على نطاق واسع في الأرياف من مادة القمح، وهو الخبز الأسمر الناتج عن دقيق قمح طُحنت حبته مع قشرتها، والذي يمكن وصفه بأنه كامل القيمة الحيوية.

والسيئ أن المستهلكين، بدؤوا، في الأرياف أيضاً، وعلى نطاق واسع خلط الدقيق الناتج عن قمح مطحون مع قشرته، مع الدقيق الأبيض عالي الاستخلاص، والذي قد لا يتمتع بالمواصفات الجيدة، لأسباب تتعلق برداءة الصنف المستورد من بلد المنشأ، وتعرضه للفساد نتيجة سوء النقل والتخزين والعرض، الأمر الذي قلل إلى حد ما من القيمة الغذائية المكتملة للخبز، وهو ما يتعارض مع توجهات الحكومة للقضاء على الفقر الغذائي من خلال المادة الغذائية الرئيسية.

ذلك أن النمط السائد في لدى معظم المستهلكين، والخاص بخلط الدقيق الأحمر مع الدقيق الأبيض، يفقدهم فرصة الاستفادة من الدعم الذي أقرته الحكومة للدقيق بمادة الحديد وحامض الفوليك كما أسلفنا في الجزء الأول من هذا التقرير ، خصوصاً وأن الدقيق الأبيض المستورد ليس مدعوماً بهاتين المادتين في الغالب الأعم.

أما بالنسبة للمستهلكين في المدن، فإنهم يعانون أكثر من غيرهم من سيادة نوع الرغيف الأبيض بأنواعه المسطح والمقولب(الروتي)، مع إنتاج كميات محدودة من الخبز الأسمر والذي تدخل في محتويات أصناف منه مادة الشعير.

وبإزاء تلك الإشكاليات، يتوجب تفعيل العمل بالمواصفات القياسية اليمنية المعتمدة: رقم72/2006، ورقم 51/2005، ورقم 2186/2008، التي تضمن مدخلات سليمة من القمح، ودقيق القمح، لا تتعرض لمشاكل النقل والعرض والتخزين، وتضمن كذلك نوعيات جيدة من الخبز .

ويتعين التفكير في تنويع الحبوب الداخلة في إنتاج الخبز مثل الشعير، وإخضاع ذلك للدراسة الوافية، والاستفادة من الدراسات التي تم إنجازها في بلدان عربية، بما يضمن اعتماد أفضل النسب التي يتعين التقيد بها في خلط أنواع أخرى من الحبوب مع القمح.

إن ذلك من شأنه أن يقلل من كلفة إنتاج الخبز، من خلال التقليل من الاعتماد الكلي على القمح، مع ضمان القيمة الغذائية المفترضة للخبز.

ويتعين أيضاً التقيد ببرنامج الدعم الذي أقرته الحكومة لدقيق القمح بمادتي الحديد وحامص الفوليك، لتغطية النقص في العناصر الغذائية في الدقيق المستخلص بنسب كبيرة.

ومن العوامل الهامة لضمان إنتاج جيد للخبز في اليمن هي الارتقاء ببيئات إنتاجه الصحية والفنية، من خلال تطوير أفران ومعامل الخبز، والتقيد بالاشتراطات الصحية في هذه المرافق على مستوى الإنتاج والعرض والتوزيع، والتقيد كذلك  بالمواصفات القياسية اليمنية المعتمدة فيما يتعلق بنسب المدخلات في إنتاج الخبز، من خميرة ومحسنات وغيرها.

وأخيراً أهمية أن تقوم الجهات الرقابية المعنية بدورها في الرقابة على الأوزان والأسعار، لضمان حصول المستهلك على نوعيات جيدة من الخبز تتمتع بالكفاءة الغذائية وتكون مناسبة من حيث الكلفة السعرية.

 .................................................................................................................

*أمين عام الجمعية اليمنية لحماية المستهلك -yemenconsumer@gmail.com

* المقال نشر في الصفحة الرابعة من الملحق الاقتصادي ليومية الثورة الرسمية- الثلاثاء 13إبريل 2010.

اخر الاخبار

Developed and hosted by